حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

166

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة » فعلى هذا عند اللّه كتابان : أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير ، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات . روى أبو الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه سبحانه في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء » . وقيل : هو علم اللّه تعالى المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها ، وقد مر تحقيقه في مواضع . ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك ، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا . والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام . ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش ، والآن صارت الأرض أعم وأشمل وللّه الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده اللّه علوا ، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويريد في بلاد الإسلام . ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وصلحائها . قال الواحدي : الأليق بالمقام هو القول الأول . وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب اللّه عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين . ثم أكد هذا المعنى بقوله : وَاللَّهُ يَحْكُمُ ومحل لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل : واللّه يحكم نافذا حكمه . وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ عن ابن عباس : هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة . ثم سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى . فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً . قال الواحدي : لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره . وقالت المعتزلة : إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره . وقيل : أراد فللّه جزاء مكر الماكرين . قال الواحدي : والقول الأوّل أظهر بدليل قوله : يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة للّه تعالى وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه . وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسبا فدل على أنه مقدور العبد . وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة